إعادة هندسة إجراءات العمل لتحقيق الكفاءة والفعالية في الحكومة الرقمية

tech3arabileap2024

هذا المقال من مشاركات السيد طارق شهوان – على مدى العقد الماضي، ركب العديد من الحكومات حول العالم موجة التحول الرقمي وأطلقت مبادرات الحكومة الإلكترونية، مستهدفةً بشكل أساسي نقل خدماتها إلى العالم الافتراضي عبر تكنولوجيا تقنية المعلومات. لكن، وقعت هذه الجهود غالبًا ضحية النهج التقليدي الذي أعمى البصر عن فهم جوهر العمليات والتركيز فقط على الغلاف الرقمي. أُلقيت الخدمات على المواقع الإلكترونية بأشكالها القديمة وخطواتها المكررة، لتظهر مبهرةً من بعيد لكنها سرعان ما تتكشف معاناة المستفيدين مع تعقيدات غير متوقعة ومراحل متشابكة لا تتناسب مع عصر السرعة والبساطة. صحيحٌ أن بعض الإجراءات البسيطة ربما تسارعت، لكن تجربة المستخدم باتت في معظمها أشبه بلعبةٍ مُحيرة تتطلب جهدًا أكبر وتُولد استياءً أكبر.

في السنوات الأخيرة، أدرك خبراء التحول الرقمي أن تمكين تقنية المعلومات وحده لا يمكن أن يحسن بشكل كبير إجراءات العمل. فكما يقول المثل الشهير، “الأدوات لا تصنع الحرفي.” فمجرد استخدام التكنولوجيا لا يكفي لتحسين العمليات، بل يجب أيضًا فهمها وتحسينها بشكل أساسي

.

ولكن، قد يؤدي هذا الفهم إلى الكشف عن عيوب قائمة في الإجراءات التي تمت أتمتها. ففي بعض الحالات، قد تبين أن الإجراءات غير فعالة أو غير مناسبة للاحتياجات الحالية. وفي حالات أخرى، قد تبين أنها متشابكة أو معقدة للغاية. وهذا الوضع يمكن أن يكون أسوأ بكثير في حالة المؤسسات الحكومية. ففي هذه المؤسسات، غالبًا ما تكون هناك استثمارات كبيرة في أجهزة الحاسوب وبرامج تكنولوجيا المعلومات. وهذا يجعل جهود الأتمتة التي تم اعتمادها صعبة التغيير، خاصة من ناحية التكلفة المالية.

 

ولكن، هناك أخبار سارة. فهناك نهج جديد للتحول الرقمي يركز على تحسين العمليات أولاً، ثم أتممتها بعد ذلك. ويسمى هذا النهج بـ “التحول الرقمي الشامل”.

 

يعتمد التحول الرقمي الشامل على اتباع الخطوات التالية:

  1. فهم العمليات الحالية وتحديد نقاط الضعف فيها.
  2. تصميم عمليات جديدة أكثر كفاءة وفعالية.
  3. أتمتة العمليات الجديدة.

وهذا النهج يضمن أن الجهود المبذولة في مجال التحول الرقمي تؤدي إلى نتائج إيجابية وملموسة.

في معظم اقتصادات الأسواق الناشئة في المنطقة اليوم، تعاني العديد من إجراءات العمل الحكومية من عدم الكفاءة والقدم. ولا يرجع ذلك إلى خطأ أي جهة حكومية، بل إلى أن معظم هذه الإجراءات تم إنشاؤها قبل عقود، قبل عصر التطور الرقمي.

ففي الماضي، كانت التحديات مختلفة، والتكنولوجيا لم تكن ناضجة. لذلك، تم تصميم هذه الإجراءات للتعامل مع التحديات والمتطلبات في تلك الفترة. كما أن التركيز الأساسي في تلك الحقبة لم يكن على تقديم خدمة عملاء مثالية أو تقليل البيروقراطية. ونتيجة لذلك، أصبحت هذه الإجراءات غير فعالة وغير مناسبة للاحتياجات الحالية. فهي تؤدي إلى تأخيرات وارتباكات، وتسبب صعوبة في الحصول على الخدمات الحكومية.

ولكي تتمكن الحكومات من تحسين الكفاءة والفاعلية في تقديم الخدمات الحكومية، عليها إعادة النظر في هذه الإجراءات وتطويرها. وذلك يتطلب فهمًا دقيقًا لهذه الإجراءات، وتحديد نقاط الضعف فيها، وتصميم عمليات جديدة أكثر كفاءة وفعالية.

وفي السنوات الأخيرة، أصبح من الواضح للمواطنين في دول الأسواق الناشئة أن التكنولوجيا وحدها ليست كافية لتحسين خدمات الحكومة الرقمية. فهناك تحديات أخرى، مثل الإجراءات التقليدية والتفكير السائد في المؤسسات الحكومية.

غالبًا ما تفشل الإجراءات الحكومية الرقمية الجديدة في تحقيق تجربة عملاء مثالية. وذلك لأن التركيز الأساسي فيها يكون على رقمنة العمليات اليدوية التقليدية، دون مراعاة تجربة العميل من البداية إلى النهاية.

ونتيجة لذلك، تواجه هذه الإجراءات العديد من التحديات، مثل:

  • التأخيرات وارتباكات العملاء.
  • صعوبة الحصول على الخدمات الحكومية.
  • انخفاض رضا المواطنين.

وللنجاح في تحسين خدمات الحكومة الرقمية، يجب على الحكومات معالجة هذه التحديات. وذلك يتطلب إعادة النظر في الإجراءات الحكومية الحالية، وتصميم عمليات جديدة أكثر كفاءة وفعالية، وأخذ تجربة العميل في الاعتبار في جميع مراحل العملية.

التكنولوجيا وحدها لا يمكنها إصلاح الإجراءات غير الفعالة أو تحسين تجربة العميل. وذلك لأن التكنولوجيا لا يمكنها فهم احتياجات العملاء أو تصميم إجراءات تلبي هذه الاحتياجات. وبالتالي، فإن إعادة هندسة الإجراءات الحكومية يجب أن تبدأ بفهم احتياجات العملاء وتحديد نقاط الضعف في الإجراءات الحالية. ثم، يمكن استخدام التكنولوجيا لتحسين هذه الإجراءات وجعلها أكثر كفاءة وفعالية.

ومن المهم أيضًا أن تكون بيئة العمل البشرية قادرة على استخدام التكنولوجيا الرقمية بفاعلية. وهذا يتطلب تدريب الموظفين على استخدام التكنولوجيا وفهم كيفية تطبيقها لتحسين العمليات. وأخيرًا، يجب أن تكون العمليات عبر الإنترنت سهلة الاستخدام لجميع المستفيدين. وهذا يتطلب تصميم العمليات بطريقة تراعي احتياجات المستخدمين المختلفة.

من الواضح أن هناك حاجة ملحة لتغيير الطريقة التي نفكر بها وننهج بها إنشاء إجراءات حكومية إلكترونية. يجب أن نركز على إنشاء إجراءات متكاملة رقميًا من البداية إلى النهاية. وهذا يعني أن نقوم بمراجعة الإجراءات الحالية بعناية لتحديد أي تكرارات أو خطوات وسيطة غير ضرورية. قد نحتاج إلى إلغاء بعض الإجراءات تمامًا أو فصل الخطوات الداخلية لإزالة التبعيات غير الضرورية. كما يجب أن نضع في اعتبارنا أن التكامل بين المؤسسات الحكومية قد لا يكون ممكنًا في بعض الحالات. وذلك لأن العديد من مؤسسات الحكومة كانت تعمل في الماضي بشكل شبه معزول عن بعضها البعض.

 

غالبًا ما تكون الإجراءات الحكومية غير شفافة، مما يجعل من الصعب على المواطنين فهم كيفية عمل الحكومة وكيفية الحصول على الخدمات التي يحتاجون إليها. ويرجع ذلك إلى عدة أسباب، منها عدم وجود آليات رصد الخدمة فعالة. ففي كثير من الحالات، لا توجد أي آليات رصد على الإطلاق، أو تكون الآليات الموجودة غير موثوقة أو قديمة.

 

كما أن الإجراءات الحكومية المنشورة على مواقع الإنترنت غالبًا ما تكون غير واضحة أو معقدة. وهذا يجعل من الصعب على المواطنين غير الملمين بالتكنولوجيا فهمها أو اتباعها.  كما قد تعاني مواقع الحكومة في بعض الدول من العديد من المشاكل، منها عدم التحديث وصعوبة الاستخدام وعدم كفاءة آليات البحث. كما أن تناسق البيانات بين المؤسسات الحكومية ضعيف، مما يؤدي إلى حدوث اختلافات وتأخيرات في نشر البيانات.

 

لكي تنجح مشاريع التحول الرقمي في الحكومة، يجب تقييم الإجراءات التجارية الحالية من حيث مدى قابليتها للتكيف والكفاءة ومدى استخدامها للتكنولوجيا. وفي معظم الحالات، يجب إعادة تصميم هذه الإجراءات قبل تنفيذ أي استراتيجية تكنولوجيا وطنية. وذلك لأن أي محاولة لتنفيذ برنامج تحول رقمي دون إعادة تصميم الإجراءات قد تفشل.

 

لإعادة تصميم الإجراءات الحكومية غير الفعالة، يجب أن نفكر بشكل مبتكر. يجب أن نضمن أن الإجراءات الجديدة ذات تدفق منطقي يقضي على التكرارات والتدخل البشري غير الضروري. يجب على مصمم إعادة التصميم إنشاء معايير لقياس الأداء. يجب أن تكون هذه المعايير محددة وقابلة للقياس. يجب أن تركز على وقت الاستجابة وتجربة العميل والأمان.

هناك العديد من أفضل الممارسات لعمليات الحكومة الرقمية من جميع أنحاء العالم. يمكن أن توفر هذه الممارسات مصدرًا قيمًا للمعلومات لمصمم إعادة التصميم.

 

يمثل التشريع تحديًا آخر أمام التحول الرقمي الحكومي. فالعديد من الهيئات الحكومية لا تزال تتطلب استخدام المستندات الورقية والتوقيعات اليدوية والتواجد المادي لإتمام المعاملات المدنية. وذلك بسبب عدم وجود تشريعات داعمة للمعاملات الإلكترونية. من الضروري التعاون بين القطاعين العام والخاص لصياغة تشريعات ذات صلة تسهل التحول الرقمي الذكي من البداية إلى النهاية.

 

تعد الموارد البشرية عاملًا أساسيًا في نجاح التحول الرقمي الحكومي. حيث يجب أن تركز برامج بناء القدرات على تكنولوجيا المعلومات والأعمال والتقنيات الأخرى ذات الصلة. كما يجب أن يكون لدى الموظفين على جميع المستويات المعرفة والمهارات اللازمة لفهم وتصميم ودعم واعتماد الخدمات الرقمية الجديدة. ويعد رصد الخدمات باستمرار باستخدام تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي أمرًا بالغ الأهمية لتحديد العقبات وتقديم توصيات للتحسين.

 

في الختام، يمكن القول بأن معظم الإجراءات الحكومية الحالية، سواء كانت فعالة أو غير فعالة، تحتاج إلى إعادة هندسة أو إعادة تقييم، وذلك بهدف ابتكار أساليب جديدة أكثر فعالية وتوفيرًا للفوائد لجميع الأطراف المعنية. وتشمل هذه الفوائد خفض التكاليف وتحسين جودة الخدمة وزيادة رضا المواطنين. والمفتاح لتحقيق هذه الأهداف هو قبول التغيير وإعادة التفكير في الإجراءات، وتعزيز ثقافة التحسين المستمر. وذلك لأن التحول الرقمي الحكومي هو عملية مستمرة، ويجب على الحكومات أن تكون مستعدة للتغيير والتكيف باستمرار مع التقنيات الجديدة والاحتياجات المتغيرة للمواطنين.

السيد طارق شهوان هو خبير متخصص ومستشار تنفيذي يتمتع بمسيرة مهنية متميزة تمتد لأكثر من 28 عامًا. يحظى طارق بخبرته في التحول الرقمي وإدارة المشاريع في القطاعين العام والخاص.  كما يحمل طارق ماجستير في الهندسة الكهربائية من الولايات المتحدة الأمريكية وعمل كمهندس كهربائي لفترة طويلة في صناعة أشباه الموصلات في وادي السيليكون في الولايات المتحدة الأمريكية

 

التحول الرقمي في الرعاية الصحية

التعليق بواسطة حساب الفيسبوك

زر الذهاب إلى الأعلى